السيد كمال الحيدري

312

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

في الحقيقة هناك ترابط وثيق بين حلقات التوحيد يفضى إلى ترابط اللاحق بالسابق في نطاق تسلسل رياضىّ منطقىّ محكم . فكما أنّ التوحيد في الربوبية يرجع إلى التوحيد في الخالقية ، فإنّ هذا الأخير يترتّب على التوحيد في الصفات ، والتوحيد في الصفات يرتكز إلى التوحيد في الذات . لهذا يقود فكّ عرى الارتباط بين هذه الحلقات إلى اختلالات خطيرة في مكوّنات العقيدة التوحيدية ، لأنّ كلّ مسألة أو حلقة سابقة دخلت كحدّ أوسط في بلوغ النتيجة اللاحقة على حدّ الاصطلاح المنطقي . بتعبير أوضح : إنّ التوحيد في الذات هو الذي أوصلنا إلى التوحيد في الصفات ، والتوحيد في الصفات هو الذي أوصلنا إلى التوحيد في الأفعال ، وفى نطاق التوحيد في الأفعال نلحظ أنّ التوحيد في الخالقية هو الذي يبلغ بنا إلى التوحيد في الربوبية ، والتوحيد في الربوبية هو الذي يفضى بنا إلى التوحيد في العبادة . هذا الترابط هو الذي يحكيه المنطق القرآني ، والسعي في هذا الكتاب هو اقتفاء آثار هذا المنطق . بشأن توحيد الربوبية وصلته من جهة بتوحيد الخالقية ، وبتوحيد العبودية من جهة أخرى مرّت في الإشارة إلى ذلك آيات ، وثَمَّ أخرى ، منها قوله سبحانه في حكاية عن الفتية أهل الكهف : وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً « 1 » . وكذلك قوله : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً « 2 »

--> ( 1 ) الكهف : 16 14 . ( 2 ) مريم : 65 64 .